ماذا حدث لمصر خلال الشدة المسنتصرية

الشدة المسنتصرية

الشدة المسنتصرية

تعرضت مصر في عهد العبيديين لأسوء مجاعة فى تاريخها كله من أشد المجاعات التي حدثت بمصر وأسوء من سنين سيدنا يوسف نتيجة غياب مياه النيل وسوء الادارة لسبع سنين متواصلة عرفت بالعجاف في نهاية عصر الخليفة المستنصر بالله وبدايتها في عام 457 هـ
أكل المصريون لحوم الحيوانات ولما انتهت الحيوانات بما فيها اسطبل خيول بدر الجمالى قائد الجيوش ، اكل المصريون الدواب وجثث الكلاب النافقه وذويهم من الاموات والمرضى والميئوس من شفائهم .. أكل المصريون بعضهم بعضاً وقيل إن رغيف الخبز بيع بخمسة عشر ديناراً وبيع الكلب بخمسة دنانير. كما روى أن الأحباش كانوا يتربصون بالنساء في الطرقات ويخطفوهن ويقتلوهن ويأكلوا لحومهن وخرجت النساء خوفاً وجوعاً صوب بغداد.

لدرجه أن أى انسان يسير فى الطرقات كان البشر يهجمون عليه وياكلونه ويتركون جزء من جثته يرسلون بها لأهله ليأكلوها تخفيفا لمعاناتهم .فلقد تصحرت الأرض وهلك الحرث والنسل وخطف الخبز من على رؤوس الخبازين وأكل الناس القطط والكلاب حتى أن بغلة وزير الخليفة الذي ذهب للتحقيق في حادثة أكلوها وجاع الوالي نفسه حتى أنه باع مقابر آبائه من رخام وباع الوالي كل ما يملك في القصر، حتى بيع من المتاع ثمانون ألف ثوب وعشرون ألف درع وعشرون ألف سيف محلي، حتى الجواهر المرصعة بالأحجار الكريمة بيعت بأبخس الأثمانولم يبق له إلا حصيرة يجلس عليها وبغلة يركبها وغلام واحد يخدمه

وكان أحدهم يذبح امرأته ويأكلها وشاع هذا بينهم بلا إنكار ولا شكوى، بل يعذر بعضهم بعضًا، ووجد عند بعضهم أربعمائة رأس وهلك كثير من الأطباء الذين يستدعون إلى المرضى، فكانوا يذبحون ويؤكلون، فكان الرجل يستدعي الطبيب ثم يذبحه ويأكله
لم يعرف المصريين سنين عجاف كهذه السبعة التي أذلتهم، لم تعد هناك حياة كما يعرفها البشر فلقد فقد المصريين الغلة والقمح واللحوم وغيرها من صنوف الطعام. كانت الشدة المستنصرية ضربًا من ضروب الخيال التي يعجز العقل البشري عن تصديقها، فلقد أكل المصريين الميتات والجيف حتى أصبحت الكلاب والقطط تباع بأسعار باهظة لا يقوي عليها إلا كل ثري. وبعد فترة ليست بكبيرة اختفت الكلاب والقطط من الشوارع، أما عن سعر رغيف الخبز فلقد بلغ خمسة عشر دينارًا وثمن البيضة الواحدة من بيض الدجاج عشرة قراريط أما رواية الماء فقد بلغت سعرها دينارًا.

قد يعجز العقل عن تصديق هذه الأهوال ولكن أصبحت الأملاك كافة غير قادرة على شراء الموارد التي أصابتها الندرة وهو مبدأ اقتصادي معروف. ذٌكر في التاريخ أن وزير الدولة ذهب في التحقيق في إحدى الوقائع وعندما خرج لم يجد بغلته فلقد خطفها الناس وأكلوها، أما الطامة الكبري فهي أن الناس بدأت تأكل بعضها البعض.

ولأول مرة في تاريخ المحروسة أكل المصريون بعضهم، بدأت هذه الفاجعة بعد حدوث واقعة سرقة بغلة الوزير، فلقد ألقى الوزير القبض على ثلاثة ممن أكلوا بغلته وقام بصلبهم وعند الصبيحة لم يتبق من هذه الأجساد سوي العظام حيث التهم الناس لحومهم من شدة الجوع. وذٌكر أن هنالك زقاق يسمي بزقاق القتل كانت المنازل فيه منخفضة فعمل سكانها على إنزال الخطاطيف يصطادون بها المارة ومن ثم أكلهم. وصل الناس إلى درجة بيع كل ممتلكاتهم من أجل الحصول على الطعام فلم تعد للأموال فائدة أمام نُدرة الموارد، فلقد ذُكر أن النساء كُن يبعن مجوهراتهن الثمينة من أجل الحصول على قليل القليل من الطعام

كانت هناك واقعة شهيرة ذكرها لنا هذا التاريخ الأسود عن امرأة باعت عقدًا ثمينًا لها قيمته بحدود الألف دينار لتحصل على القليل من الدقيق لكن الناس نهبوه منها وهي في طريقها إلى المنزل ولم يتبق لها من الدقيق سوى ما يكفي لخبز رغيف واحد، فأخذت هذا الرغيف ووقفت على مكان مرتفع وصاحت بأعلى صوتها (يا أهل القاهرة ادعوا لمولانا المستنصر بالله الذي أسعد الله الناس في أيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى تقومت على هذه القرصة بألف دينار

وقال “المقريزي” في كتابه “اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء” تأييدا لما سبق “
ظهر الغلاء بمصر واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وأكل الناس الجيفة والميتات ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا به، وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط وعم مع الغلاء وباء شديد وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد فانقطعت الطرقات براً وبحراً إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر وبيع رغيف من الخبز زنته رطل في زقاق القناديل كما تباع التحف والطرق في النداء: خراج، خراج، فبلغ أربعة عشر درهما وبيع إردب قمح بثمانين ديناراً، ثم عدم ذلك كله، وأكلت الكلاب والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير “.

وذكر ابن إلياس في كتاب “بدائع الزهور” أن الناس أكلت الميتة وأخذوا في أكل الأحياء وصنعت الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح وتراجع سكان مصر لأقل معدل في تاريخها كانوا يستدعون الطبيب ويدخلونه فاذا خلوا به قتلوه واكلوه

قال المقريزي “وتفشي الطاعون وكان يموت في اليوم الواحد ألف انسان حتي أن الرجل يمشي من مسجد ابن طولون الي باب زويلة فلا يقابله انسان حتي هلك ثلثي أهل مصر” ..

انتهت الشدة المستنصرية على يد (الجمالي) الذي اشترط أن يأتي برجاله وأن يفرض سلطته وأن يعيد الأمور إلى نصابها بقوة السلاح وهو ما وافق عليه المستنصر. بعد أن عُين (الجمالي) وزيرًا للدولة عمل على إصلاح نظام الري وقنوات الري التي فسدت وبالتالي اهتم بالزراعة بعد أن قام بمحاربة الجند المتناحرة وطردهم من المحروسة. جعل المحصول كله للفلاحين أول ثلاث سنوات ثم سيجبي في السنة الرابعة.

عُرف عن (الجمالي) إنه كان رجلًا عادلًا مد يده إلى الدولة الفاطمية ونفض من فوقها تراكمات الزمن العصيب وأفاقها من كبوتها. منَّ الله أخيرًا وبعد سبع سنوات عجاف على مصر بأن فاض نهر النيل من جديد وانقشعت هذه الغمة. خلد المصريين ذكرى الوزير (الجمالي) بأن أطلقوا اسمه على أحد أشهر المناطق والأحياء الخالدة في المحروسة وهو حي (الجمالية).

المصادر :
“كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور” / ابن إياس
“النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة” / ابن تغري
“عجائب الآثار في التراجم والأخبار” / الجبرتي
“اتعاظ الحنفاء بأخبار الفاطميين الخلفاء” / للمقريزي
عصير الكتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى